1، شارع علي البلهوان - 2080- أريانة. الجمهورية التونسية
contact@chebbi-culture.com
logo Asso. Chebbi 02 sans fond

ثقافة... تواصل... تنمية

هزيمة الحسن الحفصي والإسبان أمام جيش سيدي عرفة الشّابّب في وقعة المنستير بتاريخ 12 نزفمبر 1540،

 سيدي عرفة الشّابّي يدحر الإسبان من السّاحل التونسي في وقعة المنستير - 12 نوفمبر 1540

من كتاب: تاريخ الشّابّيّة خلال العهدين الحفصي والعثماني / د. علي الشّابّي
          وفّق الحسن في إقناع الإسبان للقتال معه ضد سيدي عرفة، فجمع عددا كبيرا من الأعراب وقادهم جميعا إلى حربه، وقد انضمّ إليه الفيلق الإسباني المرابط بالمنستير بقيادة Alvar de Sande وفي الطريق إلى القيروان فاجأه سيدي عرفة في مكان يتوسّط المنستير وجمّال عند الوردانين والساحلين، ويبعد عن جمال والمنستير نحو (10 كلم)، ودارت حرب ضارية استمرت يوما كاملا من التاسعة صباحا إلى الغروب فكانت الفاصلة بين الطرفين. كان عدد جيش الحسن يتراوح حسب Millan de Ariago و Marmol بين المائة ألف والستين ألف من بينهم سبعة ألاف فارس أو ثمانية ألاف. لكنه كان أشبه "بالزمايل" منه بالجيش المدرب المنضبط، لغلبة الفوضى عليه وتكاثر عدده بالنساء والأطفال الذين كانوا يرافقونه بدون جدوى، أمّا الجيش الإسباني المرافق فكان لا يتجاوز الألفين في حوزتهم البنادق والمدافع وكان يقوده Alvar de Sande في حين كان عدد جيش سيدي عرفة من الفرسان اثنين وعشرين ألفا ومن المشاة خمسة عشر ألفا ومن حاملي الأسلحة النارية ستمائة، ويقود هذا الجيش أحمد بن عرفة بدلا من والده الذي بلغ من العمر آنذاك احدى وسبعين سنة، يساعده أخوه محمد الزفزاف وابن عمه محمد ابن أبي الطيب ومملوك إسبانيّ يسمّى Cachazo وهو ابن جزار بمالقة . ويقود الفرقة المكوّنة من الأتراك والمسيحيّين القدامى والمتخصّصة في استعمال الأسلحة الناريّة مملوك أروبيّ يسمّى Baalij (وتعني في العربية الرجل من كفار العجم) حسبما وضحه Sandroval .
          والملاحظ أن أحمد الشابي استعان بهذين القائدين الأروبيّين وبهذه الفرقة العثمانيّة والأروبيّة المحدودة العدد والتي أقحمها في جيشه لحذقهم استعمال الأسلحة العصريّة: البنادق والمدافع لأنه كان يعرف أن الحرب ضد حلفاء الحسن من المسيحيّين لن تكون لصالحه إذا لم يعتمد نفس الأسلحة التي يعتمدونها. وقد حدّد Bosio أهمية جيش الشابيّة في هذه المعركة وعزا تأخر هزيمة الحسن إلى محاربة الجيش الإسبانيّ معه، وضّح ذلك في قوله: "لقد سيّر خليفة القيروان (سيدي عرفة) لهذه المعركة جيشا عتيدا، ولو لا إسهام Alvar de Sande في هذه المعركة بجنوده الإسبان وانضباطه العسكريّ الذي عطّل زحف جيش سيدي عرفة عدّة مرّات لهزم مولاي الحسن بيسر" .
          وبالرغم من أن الحسن كان يغري الجيش الإسبانيّ بإباحة القيروان لهم كما أباح لهم تونس من قبل فإنّهم لم يستطيعوا تحقيق أيّ شيء لصالحه، وتفيد الرّواية المتواترة لدى العائلة أنّه لمّا التقى الجيشان بادر الحسن بالهجوم إلاّ أنّ نداء الله أكبر الذي دوّى من حناجر جيش الشابيّة القوميّ المؤمن مزّق صفوفه وانقلب الأعراب المرافقون له عليه وانضموا إلى جيش الشابيّة، وهذا ما لمّح له Marmolفي كتابه ، وازداد أمر الحسن سوءا حين وقع صحبة البقية من جيشه في كمين نصبه له خصمه وذلك باختفاء أربعة عشر ألف فارس في غابة زيتون قرب الوردانين انقضّوا عليه في الوقت المناسب فانفضّت من حوله البقيّة، وهرب الحسن إلى سوسة على فرس كان لها الفضل في إنقاذ حياته في مناسبات سابقة، وقتل مرافقه المغوار الذي تمكّن من قتل ستة من أعدائه، وقد زلقت في السبخة التي تفصل بين السّاحلين والمنستير جمال كثيرة محمّلة بالنساء والأطفال وهلكت مع عدد كبير من الغنم والبقر. أمّا الجيش الإسباني فقد ارتدّ هو كذلك على أعقابه بعد أن قاتل بشراسة وتقهقر إلى المنستير في ظل حماية فرقة يقودها Louis de Rejon ، وكانت الفرقة المكوّنة من الأتراك والمسيحيّين القدامى من جيش الشابيّة هي المكلّفة من طرف أحمد الشابي بمقاتلة الجيش الإسباني، ولم تنفك تتعقبها حتى المنستير، وصف Marmol هذه الهزيمة في قوله: "جمع ملك تونس أكبر عدد ممكن من الرجال لمهاجمة القيروان وأخذ معه هذا الفيلق الإسبانيّ وبعض المدافع، ولما وصل إلى مكان يبعد عن المنستير 12 كلم انفصل عنه كل الأعراب المرافقين له وانضمّوا إلى أعدائه فاضطرّ إلى الانضمام إلى الفيلق الإسبانيّ الذي مكّنه من الفرار من خلال سهل رمليّ، ولم يبق معه من جيشه الذي كان يعدّ حوالي مائة ألف إلا ألفان. وعند ذلك أبحر الحسن إلى إيطاليا واستولى الأتراك من جديد على المنستير" " .
          وحسب مونشيكور فإنّ شارل الخامس لم يجن من حملته هذه سوى بقائه في المنستير مدّة لم تتجاوز الثمانية أشهر، وبلا شك فإن انتصار الشابي أو بالأحرى الانتصار التونسيّ حسب محمود بوعلي في (le soldat tunisien, p.83) أنقذ القيروان بصفة نهائية من الحسن الحفصيّ والإسبان ، وفضلا عن ثراء سيدي عرفة الذي مكّنه من إعداد جيش قويّ فإنّ إيمان جيشه بالمبادئ الروحيّة والقوميّة التي غرسها فيهم هي التي حقّقت له النصر على خصم خائن مرتدّ ومكّنته من تكوين دولة قوميّة دعامتاها العروبة والإسلام. .
          في تقرير كتبه F. de Gonzague بتاريخ 18 نوفمبر 1540 أي إثر هزيمة الحسن والإسبان مباشرة، وذلك لإعلام شارل الخامس بما يجري في إفريقيا ورد ما مفاده أن الحسن لم يكفّ عن الاستنجاد بالجيش الإسبانيّ لمهاجمة القيروان من جديد للقضاء على أعدائه وأنه التمس من F. de Tover أن يبقي بحلق الوادي الرهائن الذين سلّمهم إليه مقابل الضّريبة المفروضة عليه للإسبان، وهي مائة ألف دوكة (Ducats) إلى أن يدفعها، وأن لا يرسل الرّهائن إلى صقلية لأنّ في إرسالهم مذلّة له أمام الأهالي وتوهينا بالغا من أمره مما قد يحملهم على الامتناع عن مدّه بالأموال التي يتمكّن بها من الإيفاء بالضريبة المفروضة عليه، أما الرهائن فهم أحد أبنائه (محمد) وابنان لشخصيّتين من حاشيته . وحسب هذا التقرير فقد خرج الحسن من هزيمته في وقعة المنستير مكروها من قبل الأهالي أكثر من ذي قبل حتى لقد أصبحوا يفضلون الموت على الانتساب إليه (المصدر ذاته ص 414.).
          فبيد أن الحسن هفا إلى حلمه الضائع مرة أخرى فألحّ في استنجاده لـ F. de Gronzague كي يعيد الكرّة، وعمل هو بدوره في جانفي 1541 على تجنيد الأعراب والإعداد لحرب خامسة ضد القيروان، وعسكر في روّاد، وهناك أخذ يستقبل الأعراب القادمين إليه من المناطق الغربية، ويستدرجهم لحرب جديدة كما استقبل أشتاتا من أرياف القيروان من بينها جماعة من أولاد سعيد يقودهم احمد المرابط الخصم الأول لسيدي عرفة، وعندما بدا للحسن انه أعاد تنظيم جيشه كتب إلى F. de Gonzague بتاريخ 8 جانفي 1541 ما نصّه: "وبعد قفولكم من أرض المعركة، تغيّرت الوضعيّة التي تعرفونها مع العدوّ، والحمد لله الذي أنقذ جيشك كعادته بشرف، ورجعت إلى تونس بعد ذلك وأدخلت تحويرا على محلّتي حيث استقبلت وفود الأعراب القادمين من المناطق الغربية وهم الذين كانوا أعداء في المواجهة الأولى، وأبناؤهم في خدمتي كرهائن" .
          وتوسّل له ليأمر بحملة إسبانية تعضّد جيشه للهجوم على القيروان التي يمكن السيطرة عليها حسب رأيه عندما يقع ضمّ فرق حلق الوادي إلى فرق المنستير. إلاّ أنّ ما حدث لم يكن يخطر ببال الحسن، فقد دعا نائب ملك صقلّية الفيلق المرابط بالمنستير إلى الالتحاق بصقلّية، وفي 26 أفريل 1541 حاول الحسن عبثا تأخير سفر هذا الفيلق لمدة أسبوعين ريثما يتسنّى له الزحف على القيروان مع Alvar de Sande لاسترجاع أراضيه الضائعة وأرسى Garcia de Tolide في المنستير فانضمّ إليه Alvar واتجه الجيش عدا قلة منه إلى صقلّية، وفي الطريق انقضّ على قليبية ورماها بالمدافع وقتل فيها ألف شخص وأسّر ألفا من النساء والأطفال، وسلّم المدينة قفراء يبابا إلى الحسن الخائن . وفي شهر ماي انسحبت البقية من الجيش الاسباني من المنستير قاصدة Trapani حاملة معها أشواقها في الأخذ بثأر الحسن حسب مونشيكور ومختفية تماما من الساحل الشرقي لإفريقية، وحين آثر F. de Gonzague القيام بحركة مزدوجة ضد جربة وتاجوراء ردّ عليه الحسن برسالة مؤرّخة في 3 أوت من السنّة نفسها مفادها أنه لا يعير اهتماما لهذين الموضعين طالما لم يسترجع القيروان . وهكذا استأثرت القيروان بكل تأجّجه وتطلّعه، واستبدّ به خيال الانتقام منها وإباحتها للإسبان إلا أن ما حدث للإسبان أنفسهم لم يكن ليساعد حتى على مجرّد التفكير في المغامرة معه مرة أخرى، فبعد شهرين من ردّه أي في أكتوبر 1541 هزم شارل الخامس هزيمة ساحقة أمام الجزائر وقد اعتبرها المسيحيّون مأساة كبرى ." .
          إن هزيمته في وقعة المنستير واندحاره أمام الجزائر يعتبران حدّا فاصلا بين عهدين سلكا حياته، عهد التوسّع والانقضاض على المغرب الإسلاميّ بقصد تمسيحه وتعميد بنيه كنتيجة للزهو والخيلاء اللذين غمرا روح اسبانيا المسيحيّة عقب سقوط غرناطة، وعهد التقلص والانكفاء عن المغامرة بجيوشه التي لم تكسب أي مغنم بعد هزيمتيها الماحقتين، ومن ثم استحال على الحسن أن يرتاد أرض عقبة ظافرا وأن يؤدي بالدولة القومية التي جسّمت آمال أهل إفريقية. ." .
          وكما سنرى فقد شاءت الأقدار أن يرتاد أرض عقبة من بعد ذلك وأن يلاقي حماتها فيها ولكنه ارتياد في ذلة الطريد الشريد وملاقاة الملتمس لعطفهم وحمايتهم، وقبل ذلك فإنّه لم يكفّ عن إلحافه في طلب المعونة من القائد العسكريّ الإسبانيّ بحلق الوادي F. de Gonzague الذي أغضى عنه ولم يعد في وسعه بعد الذي وقع للأسبان أن يعينه، وهكذا فضل الإسبان أن يحافظوا على المكان الوحيد الذي بقي لهم في إفريقيّة وهو حلق الوادي بدلا من الدخول في مغامرات لا طائل من ورائها.. ." .


ويقود هذا الجيش أحمد بن عرفة بدلا من والده الذي بلغ من العمر آنذاك احدى وسبعين سنة، يساعده أخوه محمد الزفزاف وابن عمه محمد ابن أبي الطيب .
علي الشّابّي: تاريخ الشّابّيّة خلال العهدين الحفصي والعثماني، ص291
29366446_1695668843813017_1373064545318889775_n